أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

306

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

قوة الهضم ومري الطعام والشراب ، وكان لا ينساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إليّ ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج ، وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر عن الهم المهم ، ثم أني لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى اللّه تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل إلى قلبي الأعراض عن المال والجاه ومفارقة الأولاد والأحباء والأوطان والأصحاب ، فأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر نفسي سفر الشام ، حذارا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على غرضي في المقام بالشام . فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أني لا أعاودها أبدا ، فاستهدفوني واستهزأوا بي ، كأنه لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الأعراض عما كنت فيه بسبب ديني ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، وكان ذلك مبلغهم من العلم . ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، فظن من بعد عن العراق أن ذلك لاستشعار من جهة الولاة ، وأما من قرب منهم من الولاة بمكان ، فكان يشاهد الحاحهم في التعلق بي والانكار عليّ وأعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : هذا أمر سماوي ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم . ففارقت بغداد وفرّقت ما كان معي من مال ولم أدّخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال ترخصا بأن مال العراق للمصالح لكونه وقفا على المسلمين ، فلم أر في العالم ما يأخذ العالم لعياله أصلح منه . ثم دخلت الشام وأقمت فيه بمدينة دمشق قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر اللّه ، كما كنت حصلته من علوم الصوفية ، فعلمت أن طريقهم إنما تتم بعلم وعمل ، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تجلية القلب عن غير اللّه وتحليته بذكر اللّه ، وكان العلم أيسر عليّ من العمل إذ ذاك ، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل ( قوت القلوب ) ، لأبي طالب المكي ، وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد